بياننا - الآن وهنا

حكم على الكثيرين بالتضور جوعاً بسبب غياب الخبز وعلى أكثر منهم بغياب المعانقات.

إدواردو غاليانو      

عندما بدأنا العمل على عرض" معانقات" الذي قدم في شتاء 2018، في أكثر قاعات دار الأوبرا السورية حميمية، كان جزء كبير من التصميم الحركي للعرض يتمركز حول كل أشكال المعانقات بين الأجساد، الحارّة منها والباردة، عناق الشوق والأسى، والحاجة إلى الأمان والاطمئنان، والصلح والغفران، والتشجيع والنجاح، والخسارة والحزن، والإنتصار والفرح، عناق يمتص الغضب ويطلق الدموع، وعناق يلبي مجرد رغبة صرفة في المعانقة.  لم يخطر في بالنا وقتها أن هذا الفعل الحميمي، هذا التعبير البسيط عما نشعر به، عمّا نريد تشاركه مع آخرين، سيعرضنا يوماً ما إلى خطر مرض مميت، لم يخطر في بالنا أن عرضنا القادم قد لا يمنح فرصة التشارك الحيّ مع جمهور يسعد قلوبنا بمعانقاته في كواليس عروضنا أو أمام أبواب المسارح.         

نعيش جميعنا اليوم واقعاً نعاني فيه من فقدان أبسط الأشياء: ابتسامات، أو أية تعابير أخرى على وجوه من نعرفهم، أو من لا نعرف عنهم سوى مرور عابر لم يعد محسوساً ولا قادراً على ترك أي انطباع، لمسات الأيدي للتعارف بين الغرباء، أو للتشجيع بين الشركاء، أو للمداعبة أو الدغدغة، تجمعات للاحتفال بنجاح أو بعرس أو بعيد ميلاد، أو لتشارك الحزن أو حتى للسير في جنازة. نحن الكائنات الاجتماعية التي لا تستطيع أن تعيش وتنجو بمفردها، نختبر اليوم قواعد جديدة تباعد بين أجسادنا في الفضاءات العامة التي لم تعد مشتركة، تجبرنا على البقاء في فضاءاتنا الخاصة، حيث ترتمي طاقاتنا في حضن كل منّا، محبطة وبائسة من حرمانها من التفاعل مع طاقات الآخرين، في قريتنا الصغيرة التي تحولت في ليلة وضحاها إلى سجن كبير.         

كناجين من حرب، تعلمنا أن الانتظار هو موت من نوع آخر، فهو ليس سوى حالة ذهنية تغرقنا في العجز واليأس، وتنتج صراعات لا تنتهي مع كل ما نعيشه في اللحظة الحاضرة. وتعلمنا أيضاً أن الفرق الشاسع بين التأقلم والتعايش مع ظرف قاس خارج عن إرادتنا وسيطرتنا، وبين الاستجابة له والتعامل معه يوما بيوم، لا يكمن في المقاومة الداخلية بمعنى العناد والتعنت والصراع المستمر مع ما لا يتناسب ورؤيتنا عن الحياة، وإنما يكمن في الاستسلام الداخلي، ذلك الاستسلام البعيد عن الانسحاب أو الخضوع، القريب من المطاوعة وتقبّل التدفق المتغير للحياة خاصة عندما يكون سلبيا. لقد فهمنا أن لا سيطرة لنا سوى على أنفسنا، وأن المفتاح لتحويل ردود أفعالنا إلى استجابة أو إلى فعل ذو جدوى، معلّق على باب الوعي، وخلفه يوجد القبول، فتقّبل كينونة اللحظة الحاضرة التي لم نملك، ولن نستطيع أن نملك، غيرها، هو الذي مكنّنا من أن نبادر بفعل كل ما نستطيع للخروج من المشاكل التي كانت تواجهنا. 

واليوم، يعيد وباء الكورونا علينا الدرس نفسه، ويصرّ أن نتعلم من جديد أن تمضية الوقت الذي نملكه الآن وهنا في الاستياء أو التذمر، أو في التشبث بالعقلية الثابتة والمغلقة، أو بالهرب إلى مبدأ المؤامرة أو باللجوء إلى عقلية الضحية، أو في التنمر، أو في الإنكار، أو حتى، وبأحسن الأحوال، في الاستعداد لما قد يأتي، هو غرق في الأوهام. نحن مسؤولون عما نواجهه اليوم، سواء بإصرارنا على تدمير البيئة، أو بإقرارنا أن النظام الاقتصادي أهم من الوجود البشري، وأن المصلحة الشخصية أهم من الجماعية، أو بإساءتنا في استخدام مخترعاتنا التكنولوجية، أو بعدم قدرتنا على التعّلم من تجاربنا. نحن مسؤلون بخضوعنا لمخاوفنا وللجوانب المظلمة في طبيعتنا البشرية كالغرور، والجشع، والطمع، وعدم الاكتفاء، والغضب والنقمة والعنف.                

خيارنا الذي نؤمن بأنه ضرورة الآن أكثر من أي وقت مضى، هو أن نزيد ونعمق إحساسنا الحقيقي بالواقع الموضوعي، عن طريق العمل على تطوير ورفع سوية الذكاء العاطفي والمرونة الذهنية، وذلك بمعرفة المزيد عن أذهاننا، وبتوسيع وعينا بأجسادنا، وبالمراقبة التأملية لما يحدث داخلنا وحولنا، حتى نجد طرقاً موضوعية للتعامل مع واقعنا، وللاستجابة مع مستجداته السريعة. نؤمن بضرورة العمل على البحث الفني لإعادة استكشاف قدراتنا التعبيرية والدخول إلى مساحات لا نعرفها بعد في ذواتنا، وفي أساليبنا التعبيرية، وفي توجهاتنا الفكرية والفنية على حد سواء.  

يبتعد خيارنا هذا عن طرح بدائل سريعة ومضمونة ومتاحة، وعن استبدال طرق وأفكار قديمة بطرق وأفكار جديدة، إنما يقترب من إعادة الاكتشاف والفهم، والذهاب أبعد مما نرى أو نعتقد أننا نعرف حول من نحن فعلاً، وماذا نريد أن نقول، وكيف يمكننا أن نتشارك تجربتنا مع مجتمعنا اليوم، الآن، وهنا. وها نحن نبحث في سؤال كان المخرج المسرحي بيتر بيروك قد صاغه بدقة في كتاب النقطة المتحولة: "مهما كان الثمن، يعمد الإنسان دائما إلى ترتيب كل الأشياء التي في مقدوره من أجل أن يتفادى التعرف البسيط على الأمور كما هي. ما سر هذه الظاهرة الغريبة في أصل طريقتنا في الوجود ذاتها؟ هل ثمة موضوع أكثر أهمية وحيوية نفهمه اليوم من هذا الموضوع؟"

دمشق - أيلول 2020