الآن و هنا

في 2011 كان قرار فرقة ليش هو التوقف عن العمل، و دام ذلك لما يقارب الخمس سنوات الآن.لقد كان خياراً صعبا لكن الأصعب كان بالنسبة لنا ان نقدم عروضاً وسط .العنف المتأجج

التوقف عن العمل كان أول خيار لكثير من الفنانين السوريين الذين قرروا أن يبقوا في بلدهم بالرغم من توفر الفرص لرحيلهم متى أرادوا ذلك ،رسامون ،ممثلون ،مخرجون ،سينوغرافيون ،موسيقيون،فنانو فن الفيديو ،راقصون و مصممو رقص

كفنانين في قلب الحرب كان و ما زال أمامنا ثلاثة خيارات .. الأول هو الانحياز لأحد الأطراف ضد الآخر في نزاع مسلح من خلال الفن، و الذي لا يحقق في النهاية إلا المزيد من العنف 

و الثاني هو أن ننقل قسوة الواقع كما هي دون أن نأخذ مسافة من التفاصيل اليومية القاسية التي نعيشها فلا نصل إلاّ إلى حالة أولية من التفريغ

و الخيار الثالث هو أن ننكر الواقع و نتابع عملنا و كأن شيئاً لا يحدث و بذلك يفقد الفن أسباب وجوده

في زمن الحرب لا يؤطَّر دور الفن بقوانين و لا يمنهج بنظريات بل يخضع لخيارات واعية ، و تظهر الخيارات اليوم على خشبات المسارح و في الاماكن البديلة في سوريا في عروض اختارت من وجهة نظرنا  ان تلعب أدواراً عدة ، فمن البروباغندا ، إلى عروض اختارت أن تستنسخ الواقع بمباشرة متطرفة و ترد على القبح بالقبح ،و عروض أخرى تلعب الأيديولوجيا فيها الدور الرئيسي. و تلحق الخيارات الفنية بالدور المختار للعرض في قلب الحرب فمن المسرح الغنائي الاستعراضي ،إلى المسرح المناسباتي ،إلى مسرح مغرق في الواقعية أو مسرح سياسي لا يمس إلا فئة معينة من المتفرجين. و هناك عروض اختارت أن تقترب بأقصى ما تستطيع من جوهر الفن نفسه حين يخاطب الإنسان ليزرع فيه الامل حتى في أحلك الاوقات ، ليمنحه طاقة من جمال يلامس إنسانيته وسط عالم من البشاعة فيعيد شحن طاقته الإيجابية حتى عندما تغيب الدوافع ، لمساعدته على أن يدرك تلك الصلة و ذلك الرابط الذي يربطه بكل إنسان في هذا العالم حتى لو كان وحيداً ، منسياً و متروكاً لمصيره ، لدفعه حتى يهزم العجز و يمسك بدفة حياته اليومية و يستمر . و نحن ممن اختاروا أن يكون لعملنا هذا الدور

لا يستطيع الفن أن يوقف دائرة العنف عن الدوران لكنه يستطيع أن يبددها و أن يضيء مساحات أخرى خارجة عنها ،تلك المساحات التي تبقى موجودة دائماً مهما استمر العنف و كبرت دائرته.  و يستطيع أيضاً أن يبدد الخوف من الآخر أو - على الأقل- أن يهز الأساسات التي بني عليها ذلك الخوف ليحقق خطوات أولى باتجاه قبول الآخر ،و أن يتعامل مع جوهر الإنسان فلا يختصره في نظرة ضيقة تنفي عنه تنوعه و قابليته للتغيير

دورنا كما نراه هو أن نحوّل -لا أن نفرّغ -طاقة الغضب و السخط العنيفة إلى فعل لا عنفي ،أن يكون عملنا أحد الوسائل للاستمرار في العيش و تجاوز المحن ، في تقّبل الخسارة و فهم ماهية الموت و القيمة الجوهرية للحياة.

يستطيع الفن تحقيق ما لا يستطيعه غيره بطاقته التي تحمل الفكر ،الشعور و الجمال ،فمن غاياته أن يحرّك المفاهيم الثابتة ،أن يحيي المشاعر المخبأة ،و أن يخلق أفقاً للانفتاح بأكبر و أعمق قدر ممكن تجاه الانسان و الحياة

نعم .. جمهور المسرح و العروض الحية في سوريا في ازدياد الآن ،ليس فقط لأنه يحتاج إلى حالة تطهيرية و إلى ما يخفف عنه سيل الضغط المتواصل الذي يعيشه يومياً ،بل لأنه يحتاج أكثر من أي وقت مضى لأن يعيش حالة من الألفة الإنسانية و الاجتماعية و أن يشعر بالانتماء

الورشة ، البروفة و العرض هي المساحات الفعلية و الحقيقية المتاحة لنا لنؤكد على ما يجمع بين صانعي العرض من جهة و متلقيه من جهة أخرى و بين المتلقين أنفسهم  و ذلك على اختلاف مواقعنا من الحرب التي نعيشها سوية و التي نأمل جميعاً أن تنتهي عاجلاً أم آجلاً

علمتنا الحرب أن نقدر الحياة أكثر،وأن نفهم أن الفن إن لم يستطع أن يحقق التغيير فإنه يستطيع على الأقل أن يفتح أفقاً جديداً و مختلفاً باتجاه حياتنا

نؤمن بأننا نستطيع الآن و هنا أن نمشي خطوة باتجاه ما يجب علينا عمله مع مجتمعنا عندما تنتهي الحرب فإذا قدّر للمعركة العسكرية أن تنتهي ،أو  أن تظل مشتعلة،أو إذا فرضت إرادة سياسية حلاً سلمياً ،سيبقى السوريون معاً و لن يكون أي طرف قادراً على إلغاء الطرف الآخر ،سنحتاج إلى العمل على  التعايش و التشارك فيما بيننا إذ ليس أمامنا خيار آخر